سيد محمد طنطاوي
152
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقوله - سبحانه - : * ( إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناه أَنْ نَقُولَ لَه كُنْ فَيَكُونُ ) * استئناف لتأكيد قدرة اللَّه - تعالى - النافذة ، وشمولها لكل شيء من بعث وغيره ، وذلك لأن الكفار لما أقسموا باللَّه جهد أيمانهم بأنه - سبحانه - لا يبعث الموتى ، ورد عليهم بما يبطل مزاعمهم ، أتبع ذلك ببيان أن قدرته - تعالى - لا يتعاصى عليها شيء ، ولا يحول دون نفاذها حائل . قال الإمام ابن كثير : « أخبر - سبحانه - عن قدرته على ما يشاء ، وأنه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء ، وإنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له » كن فيكون « . والمراد من ذلك إذا أراد كونه ، فإنما يأمر به مرة واحدة فيكون كما يشاء ، قال - تعالى - : وما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ « 1 » وقال - سبحانه - ما خَلْقُكُمْ ولا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ « 2 » . وقال - سبحانه - في هذه الآية * ( إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناه أَنْ نَقُولَ لَه كُنْ فَيَكُونُ ) * أي : يأمر به دفعة واحدة فإذا هو كائن قال الشاعر : إذا ما أراد اللَّه أمرا فإنما يقول له « كن » قولة فيكون أي : أنه - تعالى - لا يحتاج إلى تأكيد فيما يأمر به ، فإنه - سبحانه - لا يمانع ولا يخالف ، لأنه الواحد القهار العظيم ، الذي قهر سلطانه وجبروته وعزته كل شيء . . » « 3 » . وقال بعض العلماء : وعبر - تعالى - عن المراد قبل وقوعه باسم الشيء ، لأن تحقق وقوعه كالوقوع بالفعل ، فلا تنافى الآية إطلاق الشيء - على خصوص الموجود دون المعدوم ، لأنه لما سبق في علم اللَّه أنه يوجد ذلك الشيء - وأنه يقول كن فيكون - ، كان تحقق وقوعه بمنزلة وقوعه . أو لأنه أطلق عليه اسم الشيء باعتبار وجوده المتوقع كتسمية العصير خمرا في قوله إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً . . نظرا لما يؤول إليه . . » « 4 » . وقوله « فيكون » قرأه الجمهور بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف ، أي : فهو يكون . وقرأ ابن عامر والكسائي « فيكون » بالنصب عطفا على قوله « أن نقول له . . » .
--> ( 1 ) سورة القمر الآية 50 . ( 2 ) سورة لقمان الآية 28 . ( 3 ) تفسير ابن كثير ج 4 ص 491 . ( 4 ) تفسير أضواء البيان ج 3 ص 272 الشيخ محمد الأمين الشنقيطي .